د.عبدالحميد هنداوي
|
الدعوة إلى الله والجهاد في سبيلهالدعوة إلى الله والجهاد في سبيله
من أهم الأسباب الفرجة عن الكروب والمذهبة لهموم القلوب، الدعوة إلى الله تعالى والجهاد في سبيله، فالدعوة إلى الله تعالى فضيلة لهذه الأمة ودلالة على خيريتها.
قال تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ( ).
والدعوة إلى الله تعالى من أهم عوامل هداية العبد وتثبيته قال تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ( ).
فالله تعالى يزيد الذين آمنوا إيماناً وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى( ) .
والمجاهدين في نشر دين الله تعالى هم أحق الناس بهداية الله تعالى لهم وولايته إياهم، وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ( ) .
فالله تعالى قد ضمن للمجاهدين في سبيله الهداية في الدنيا وصلاح البال، مع ما ينتظرهم في الآخرة من الجزاء العظيم، قال تعالى:وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ* سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ* وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ( ).
وانظر كيف وصف الله تعالى الداعين إلى الله تعالى الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، بالفلاح والفوز المبين، وقصر الفلاح عليهم فقال: وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ( ).
واستثنى الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر من جملة الخاسرين، حيث أخبر أن الناس جميعاً في خسران و ضلال مبين إلا تلك الطائفة المتبعة للحق و الداعية إليه.
حادي عشر: إيثار الآخرة على العاجلة
ورد في بعض الآثار أن الدنيا والآخرة ضرتان( ) فإذا أرضيت إحداهما أضررت بالأخرى، وإذا كان الأمر كذلك وجب على العبد إذا ما عسر عليه أمر التوفيق بين أمر دينه ودنياه أن يضر بدنياه لأجل دينه وأخراه لا محالة، ولكن ينبغي أن لا يميل العبد عن الدنيا كل الميل، فإنها مدرجته إلى الآخرة، وبها زاده إلى الطريق، فعليه أن يتزود منها بقدر ما يبلغه حاجته، ويتخذها مطية إلى دار القرار، ولله در القائل:
إن لله عباداً فطناً
نظروا فيها فلما علموا
جعلوها لجة واتخذوا
طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا
أنها ليست لحيً وطناً
صالح الأعمال فيها سفناً
وكذلك يبين لنا رسول الله قيمة الدنيا وقدرها، إذ يقول عن نفسه: "مالي وللدنيا! إنما مثلي والدنيا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها"( ).
فلابد للعبد إذا أراد أن يقسم وقته بين عمل الدنيا وعمل الآخرة أن يعلم هذه الحقيقة، فيعلم أن العبد المؤمن لا يعمل للدنيا أصلاً إلا أن يريد بذلك الآخرة، والاستعانة بأمر الدنيا على أمر الآخرة، وإلا فإنه إن كان قصده هو الدنيا وحدها دون تحصيل الآخرة، كان ذلك شركاً محبطاً للعمل، لأنه بذلك يكون قد اتخذ الدنيا إلهاً يعبده مع الله، أو من دون الله، قال تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ( ).
وقال تعالى أيضاً : مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا(1 وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا(19) كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا(20) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا(21) لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولا( ).
فبين الله سبحانه و تعالى في هذه الآيات أن من أراد الحياة الدنيا وحدها دون أن يبتغي بذلك وجه الله، وتحصيل ما كلفه الله تعالى به، بل كان غالب همه هو جمع هذه الدنيا لإرادة الدنيا وحدها دون وجه الله والآخرة ، فإن عمله ذلك باطل محبط ليس له عليه في الآخرة من نصيب.
ولذا يجعل النبي طالب الدنيا ومبتغيها لمجرد حبه إياها و تعلقه بها يجعله عبداً للدنيا وليس عبداً لله .
ففي الصحيح عن النبي أنه قال : "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم،تعس عبد القطيفة( )،تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش"( ) .
فالنبي يجعل ذلك العبد الذي يتعلق بالأمور الدنيوية لذاتها لا لغرض الاستعانة بها على أمر الآخرة يجعله عبداً لهذه الأشياء، ويدعوا عليه بالتعاسة والانتكاس وعدم الشفاء من أدنى مرض يصيبه ولو كان شوكة شيك بها ، وذلك لأن تعلقه بهذه الأشياء قد وصل لحد العبادة بأن صارت هذه الأشياء هي جل همه وغايته الكبرى في الحياة دون عبادة الله الواحد القهار المنعم عليه بسائر النعم والخيرات.
ومثل هذا العبد يعيش حياته تعيساً يائساً ، وإن رآه الناس من السعداء، لأن الله تعالى يجعل شقاءه فيما تعلق به من دونه، وذلك كما قال الله تعالى عن المنافقين : فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ( ) .
وفي الحديث عن النبي : "من جعل الهموم هماً واحداً هم المعاد ، كفاه الله سائر همومه، ومن تشعبت به الهموم من أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديتها هلك"( ) .
فالعبد إذا جعل الآخرة أكبر همه رزقه الله الغنى الحقيقي ألا وهو غنى النفس و قناعتها، فالنفس طماعة طلعة إلى حب الشهوات والملذات كما قال الله تعالىإِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ(6) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ(7) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ
|