د.عبدالحميد هنداوي
|
عذاب تارك الصلاةعذاب تارك الصلاة
فانظر رحمك الله، كيف أن النار تأكل من ابن آدم كل شيء إلا مواضع السجود، فمن كان لا يصلي أكلته النار كله فلا تبقى منه شيئا، وحينئذ لا تعرفه الملائكة ولا تخرجه من النار، لأنه كما جاء في الحديث الصحيح " فتخرجهم الملائكة من النار يعرفونهم بآثار السجود، تأكل النار من ابن آدم كل شيء إلا مواضع السجود"( ).
واقرأ إن شئت قول الله تعالى في سورة المدثر حيث يقول عن يوم القيامة كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كسَبَتْ رَهِينَةٌ ( )إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ( )؟!
فتارك الصلاة يدخله الله نار سقر، وما أدراك ما سقر ؟ إنها لا تبقى ولا تذر، أي تأكل أجساد من فيها، ولا تترك منهم شيئا، لأن كل من فيها لا يصلون، فتأكلهم النار جميعا لأن النار تأكل من ابن آدم كل شيء إلا مواضع السجود، واقرأ إن شئت قوله تعالى:سَأُصْلِيهِ سَقَرَ(26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ(27) لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ(2 لَوَّاحَةٌ للْبَشَرِ(29)( ) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ( ) أي ملائكة غلاظ شداد، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، وهم زبانية العذاب الذين يعذبون أهل النار، فوق عذاب النار لهم. قال تعالى : يَأيُّهاالَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ( ) فأمرهم الله أن يقوا أنفسهم من هذه النار بأن يعظوا أهليهم ويأمروهم بطاعة الله تعالى، وبالصلاة والالتزام بأمره ونهيه، حتى ينجوا من عذاب النار التي تشتعل وتتقد بالناس والحجارة وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ.
وانظر يا أخي (رحمك الله) إلى طول هذا اليوم العصيب، ذلك اليوم الذي قال الله تعالى عنه: فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ( ) وقال أيضا عنه: يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا( ).
فماذا فعلنا لنتقي هذا اليوم الذي يشيب له الولدان، وتتفطر له السموات، وتنشق الأرض، وتحيط جهنم بأقطار السموات والأرض، ويقال للناس: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ( ) فهل ينفع حينئذ سلطان الناس في الحياة الدنيا؟.
وهل تنفعهم أموالهم وأولادهم؟ كَلا إِذَا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا(21) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا(22) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى(23) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي( ) عجبا للإنسان أو لا يتذكر إلا إذا جاءه ربه والملائكة أمام عينيه صفا صفا، وإلا إذا رأى جهنم وهي تحيط بأقطار الأرض، وحينئذ أيضا يحاول الهرب والفرار؟!
يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ( ) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ؟ كَلا لا وَزَرَ( ) إلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ، يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ( ).
ماذا سنصنع حينما نرى هذه الأهوال ؟ إِذَا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الأرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ( ).
إن الحساب شديد، والميزان يزن بالذرة، والناس يومئذ يتعاملون فيما بينهم ويتقاصون المظالم التي كانت يينهم في الدنيا بالحسنة والسيئة، فليس هناك دينار ولا درهم، وإنما هي الحسنة والسيئة فيأخذ المظلوم من حسنات الظالم بقدر مظلمته، فإن لم يكن له حسنات وضع من سيئات المظلوم على سيئات الظالم، ثم يطرح الظالم في النار( ).
إنه يوم الدين أي يوم الحساب ويوم الجزاء يوم إحقاق الحق، يوم أن يقال للظالم اركع، وللمظلوم تقدم، فيتقدم المظلوم فيقتص من الظالم ويثأر منه، ويأخذ من حسناته ما شاء بقدر ما ظلمه.
سبحان الله، لا ينفع في هذا اليوم إلا العمل الصالح، حسنة تدخل الجنة وسيئة تدخل النار.
والناس في هذا اليوم درجات على قدر أعمالهم، كما كانوا درجات في الدنيا، فمنهم من يأخذه العرق إلى كعبيه، ومنهم من يأخذه العرق إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من يصل إلى وسطه أو إلى رقبته أو يغرقه العرق، ومنهم من هو مستريح في ظل عرش الرحمن كما جاء في الحديث الصحيح سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله" إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل معلق قلبه بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل بكى من خشية الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله"( ) إن هؤلاء قوم تابوا ورجعوا إلى الله، وتركوا الذنوب والخطايا واستغفروا الله تعالى فغفر لهم، وأقبلوا على العمل الصالح، ولم يتكلوا على إيمانهم، فهذا رجل يستغفر الله تعالى لذنوبه ويخشى أن يحاسبه الله تعالى عليها، ويخشى من عذاب يوم القيامة، ومن وقوفه بين يدي الله، فيبكي من خشية الله تعالى، ومن خشية عذابه، فيؤمنه الله تعالى يوم القيامة، ويريحه من العذاب، ويجعله في ظل عرشه.
فهلا تبنا إلى الله تعالى، وبكينا على ما فرط منا من الذنوب والمعاصي، وعلى ما ضيعنا من العمر في غير طاعة الله تعالى، وفي غير ما خلقنا الله تعالى له، فإن الله تعالى لم يخلقنا لنجمع الدنيا، أو نتلهى بها عن عبادته بل خلقنا لعبادته، وتكفل بأرزاقنا فقالوَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ(57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ( ).
|